الشيخ محمد رشيد رضا

172

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( 5 ) ذكروا ما كان من رحلة تجار قريش في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام واجتماعهم بالنصارى في كل منهما كلما مروا بدير أو صومعة الرهبان ، وكان هؤلاء النصارى يتحدثون بقرب ظهور نبي من العرب ( 6 ) زعم درمنغام انه كان يوجد بمكة نفسها أناس من اليهود والنصارى ولكنهم كانوا عبيدا وخدما لان رؤساء قريش لم يكونوا يسمحون لهم أن يسكنوا في مكة حرمهم المقدس الخاص بوثنيتهم وأصنامهم . وكان هؤلاء يسكنون في أطراف مكة « في المنازل البعيدة عن الكعبة المتاخمة للصحراء » ! ! وكانوا يتحدثون بقصص عن دينهم لاتصل إلى مسامع رؤساء قريش وعظمائهم أو ما كانوا يحفلون بها لسماع أمثالها في رحلاتهم الكثيرة . ولكنه ذكر ان أبا سفيان عتب على أمية بن أبي الصلت كثرة تكريره لما يذكره الرهبان من هذا الامر فهذه مقدمات يذكرها كتاب الإفرنج لتعليل ما ظهر به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من دعوى النبوة على طريقتهم في الاستنباط وما يسمونه النقد التحليلي ، ويقرنون بها مقدمات أخرى في وصف حالته النفسية والعقلية وحالة قومه وما استفاده منها من تأثير وعبرة ، فنلخصها مضمومة إلى ما قبلها مع الالمام بنقدها ( 7 ) قال درمنغام في كفالة أبي طالب لمحمد بعد وفاة جده : انه لم يكن غنيا فلم يتح له تعليم الصبي الذي بقي أميا طول حياته ( يوهم القارئ ان أولاد الموسرين بمكة كانوا يتعلمون كأن هنالك مدارس يعلم فيها النشء بالأجور كمدارس بلاد الحضارة وهذا باطل لا أصل له - ثم قال ) « ولكنه كان يستصحبه وإياه في التجارة فيسير والقوافل خلال الصحراء يقطع هذه الابعاد المتنائية وتحدق عيناه الجميلتان بمدين ووادي القرى وديار ثمود وتستمع أذناه المرهفتان إلى حديث العرب والبادية عن هذه المنازل وحديثها وماضي نبئها . ويقال إنه في إحدى هذه الرحلات إلى الشام التقى بالراهب بحيرا في جوار مدينة بصرى وأن الراهب رأى فيه علامات النبوة على ما تدله عليه أنباء كتبه . وفي الشام عرف محمد أحبار الروم ونصرانيتهم وكتابهم ومناوأة الفرس من عباد النار لهم وانتظار الوقيعة بهم »